![خوارزمية الألفة: كيف أصبح مسلسل «حبيب تحت الطلب» من نتفليكس ألطف ديستوبيا في 2026؟ [مجلة كايف=بارك سو نام]](https://cdn.magazinekave.com/w900/q75/article-images/2026-03-09/a70214e7-73a5-411a-9644-fb16054e6463.png)
[مجلة كايف=الصحفي بارك سو نام] في المجتمع الحديث، لا تؤدي الثقافة الشعبية وظيفة الترفيه فحسب، بل تعمل أيضًا بنيةً تحتية نفسية هائلة تعكس قلق العصر الجماعي وما يفتقده. ويبدو مسلسل الدراما الكورية «حبيب تحت الطلب» (Boyfriend on Demand)، المؤلف من عشر حلقات والذي طُرح عالميًا عبر نتفليكس في 6 مارس 2026، في ظاهره كوميديا رومانسية خفيفة وعذبة تتناول الواقع الافتراضي (VR) والذكاء الاصطناعي (AI). وقد احتفى به المشاهدون حول العالم ووسائل الإعلام الرئيسية لما بين جيسو من بلاكبينك، التي تؤدي دور سيو مي راي، وسيو إن-غاك، الذي يؤدي دور بارك غي نام، من انسجام عفوي ومرح، وللمشهد البصري المتنوع الذي تقدمه كوكبة ضيوف الشرف.
لكن اختزال العمل في وصفه «ألطف رومانسية افتراضية في 2026» ليس إلا قراءة سطحية تفوّت المؤشرات الاجتماعية المقلقة الكامنة وراء النص. فـ«حبيب تحت الطلب» وثائقي اجتماعي يشرّح بدقة عزلة الإنسان المعاصر الداخلية بعد أن أعادت صياغتها حسابات الرأسمالية الصارمة، وحكاية ديستوبية تحذر من الطريقة التي تُسلّع بها التقنية المشاعر الإنسانية وتتحكم فيها.
نهاية إيروس الذي ابتلعه اقتصاد الاشتراكات: وهم العائد بلا مخاطرة
بطلة العمل سيو مي راي منتجة قصص مصورة رقمية تعاني إنهاكًا شديدًا. وقد استنزفتها نفسيًا ضغوط العمل والمواعيد النهائية المتلاحقة والتوقعات الاجتماعية المعاصرة؛ فبدلًا من علاقة واقعية لا يمكن التنبؤ بمسارها، تدفع اشتراكًا شهريًا لتدخل محاكاة مواعدة افتراضية تستطيع التحكم فيها بالكامل. واللافت أن عملها نفسه يقوم على تخطيط «رومانسية متخيلة» وإنتاجها. فتصوير عاملة تبيع الخيال للآخرين، لكنها لا تملك في حياتها الواقعية طاقة لأي تواصل عاطفي، فتلجأ إلى ضرب آخر من الوهم التقني المتطور، هو خدمة واقع افتراضي باشتراك، يرمز إلى أقصى صور الاغتراب في العمل الرأسمالي الحديث.
كما أشارت عالمة الاجتماع إيفا إيلوز (Eva Illouz)، امتزجت المشاعر في المجتمع الحديث بمنطق الرأسمالية حتى غدت سوقًا هائلة. ويصور «حبيب تحت الطلب» عالمًا اكتملت فيه هذه «الرأسمالية العاطفية». فإذا كانت العلاقات في الماضي رحلة تنطوي على المصادفة والقدر والجراح التي لا مفر منها، فقد تحولت الألفة لدى بشر عام 2026 إلى خدمة «اشتراك» (Subscription) تُدفع رسومها شهريًا. وبالنسبة إلى الإنسان المعاصر الذي يسعى إلى البقاء والحفاظ على مسيرته المهنية في مجتمع شديد التنافس، تصبح إقامة علاقة مع شخص آخر وتسوية الخلافات معه «استثمارًا عالي المخاطر» (High-risk investment) باهظ الكلفة. وهكذا تغدو المواعدة الافتراضية، لدى من يُعرفون بـ«جيل التخلي عن الثلاثة» ــ المواعدة والزواج والإنجاب ــ خيارًا عقلانيًا اقتصاديًا إلى أبعد حد: فهي تقلص كلفة الجهد العاطفي وتعظّم الرضا النفسي بالخوارزميات.
وكما قال المخرج كيم جونغ سيك إن العمل بدأ من سؤال بسيط: «ماذا لو أمكن الاشتراك في الحب؟»، فإن عناوين الحلقات التي صاغها الكاتب نامغونغ دو يونغ بعناية تؤكد هذا التوجه. ويحلل الجدول التالي الدلالات الاجتماعية التي تحملها عناوين حلقات النصف الأخير من المسلسل. عنوان الحلقة الرابعة، «بلا مخاطرة، عائد مرتفع» (No Risk, High Return)، هو الفكرة المحورية التي تسري في العمل كله. فالمواعدة الافتراضية القائمة على الاشتراك نقلت عقلانية تعظيم الربح الرأسمالية كاملةً إلى أعمق مناطق المشاعر الإنسانية. يحجب المستخدم من المنبع «خطر» (Risk) التعرض للأذى، ولا يأخذ إلا «عائد» (Return) اللهفة المثالية الذي تقدمه الخوارزمية. لكن إذا استعرنا بصيرة الفيلسوف بيونغ تشول هان (Byung-Chul Han)، فإن علاقة يُمحى منها تعذر التنبؤ بالآخر، أو «سلبيته»، ولا تعكس بسلاسة سوى رغبات الذات، ليست حبًا بالمعنى الحقيقي. إنها مجرد صورة أخرى من النرجسية، يقع فيها المرء في حب انعكاسه في المرآة؛ ومشهد موحش يعلن في نهاية المطاف «نهاية إيروس» (The End of Eros)، الذي يوسّع عالمنا عبر الاحتكاك بالآخر. ففي عالم يختفي منه الاحتكاك الناشئ عن حضور الشريك بوصفه كائنًا لا يمكن توقعه، ينحدر الحب إلى سلعة استهلاكية مريحة.
الاجتماعية السلبية والسيطرة السلسة: فقدان الآخر والديجيسيكشواليتي
يوفر تطبيق الواقع الافتراضي في «حبيب تحت الطلب» نحو 900 خيار مختلف لحبيب افتراضي. وداخل هذه المحاكاة، يتجسد رجال يتمتعون بأكثر المظاهر جاذبية في عصرهم، من سيو كانغ جون ولي سو هيوك ولي جاي ووك وأونغ سونغ وو إلى الموسيقي جاي بارك، في نماذج خيالية مثالية (Archetype) تشمل الأمير والطبيب والعميل السري. وتقدم وسائل الإعلام الرئيسية هذه الكوكبة المتنوعة من ضيوف الشرف بوصفها متعة بصرية تزيد العمل تشويقًا؛ لكنهم، من منظور اجتماعي، شخصيات «أخرى فقدت غيريتها» ويمكن التحكم فيها بالكامل.
يعيش الناس اليوم في مجتمع بالغ الإنهاك (Burnout society)، ويغدو الآخر، في نظر الذات المرهقة، عبئًا ومصدرًا للتعب. فالشريك الحقيقي قد يغضب دون سابق إنذار، أو يفضي بمشاعره المتعبة، أو يعلن الانفصال. وتصور الحلقة الثالثة الفقد والألم بعد الانفصال بواقعية تستدر دموع المشاهدين، وتحمل تأملًا عميقًا في الكيفية التي قد نصل بها إلى كراهية من أحببناهم. لكن البطلة، بعد أن تخوض هذا الاستنزاف العاطفي في الواقع، تحاول في النهاية معالجة مشاعرها داخل «المساحة الآمنة» (Safe space) للتطبيق. أما الأحبة الافتراضيون المثاليون، البالغ عددهم 900، فهم نتاج «تصميم هندسي» يحلل موجات الدماغ ومعدل ضربات القلب ليستخرج الاستجابة المثلى لحظة بلحظة. لا يثيرون ضيق المستخدم، ويهمسون بالحب بالقدر الذي يطلبه، ويختفون ببساطة بضغطة زر تسجيل الخروج حين تنتهي الحاجة إليهم.
يركز هذا التحليل هنا على مفهوم «الاجتماعية السلبية» (Negative Sociality). فمصدر الطمأنينة التي يجدها المستخدم في المواعدة الافتراضية ليس وجود شريك مثالي بقدر ما هو امتلاكه سلطة مطلقة تمكّنه من «إلغاء» (Cancel) العلاقة أو إزالتها بتمريرة (Swipe) متى شاء. إن بيئة التواصل السلسة التي أُزيلت منها تمامًا «سلبية» (Negativity) الاحتكاك والخلاف تُضعف قدرة الإنسان على التفاعل الحقيقي مع الآخرين. وهكذا، فإن الخوارزمية التي يختارها هربًا من النزاع تحوله، للمفارقة، إلى جزيرة أشد عزلة.
ويؤدي ظهور «الديجيسيكشواليتي» (Digisexuality)، حين تتجاوز التقنية كونها أداةً للعلاقات لتصبح الشريك نفسه، إلى أقصى درجات السهولة في العلاقة، لكنه يخلّف وراءه فراغًا مخيفًا. فتعليق الحياة الواقعية خوفًا من جراح الآخرين، والهرب إلى مصفوفة صممتها الخوارزمية، ليس علاجًا جذريًا للعزلة، بل آلية قوية أخرى للتجنب النفسي. تتكون الرابطة الحقيقية حين يتشارك الطرفان مواطن الضعف؛ أما في العلاقة مع الذكاء الاصطناعي، فالمستخدم وحده من يكشف ضعفه، بينما لا يفعل الذكاء الاصطناعي سوى جمعه في صورة بيانات. وهذا أقرب إلى عملية تخدير نفسي محكمة تتخفى في هيئة حب.
نظرية المصمم الخفي (Mastermind): حقيقة بارك غي نام ورومانسية رأسمالية المراقبة
بينما تركز مراجعات وسائل الإعلام الرئيسية على المناوشات المرحة والانسجام الكوميدي بين جيسو وسيو إن-غاك، تشكّل في أوساط جمهور المسلسل عالميًا ومجتمعات ريديت (Reddit) نقاش هو الأكثر إثارة وصدمة، والأقرب إلى التصديق، من شأنه أن يقلب أساس الحكاية. ويتمحور حول فرضية تتعلق بحقيقة «بارك غي نام»، زميل البطلة ومنافسها في العمل الواقعي، الذي يؤدي دوره سيو إن-غاك. فمنذ ما قبل عرض المسلسل، شدد صناع العمل مرارًا على أن غي نام «يخفي، خلافًا لمظهره الساخر، أسرارًا مفاجئة (Surprising secrets) ستهز مشاعر مي راي». وألمح سيو إن-غاك نفسه في المؤتمر الصحفي للإنتاج إلى أن «شخصيته تنطوي على تحول هائل في الحبكة (Major plot twist) قرب النهاية».
وبناءً على ذلك، طرح مشاهدون متيقظون نظرية قوية مفادها أن بارك غي نام ليس مجرد زميل عمل، بل هو العقل المدبر الذي ابتكر وطور برنامج المواعدة بالواقع الافتراضي «حبيب تحت الطلب» فعليًا، أو على الأقل المسؤول الذي يدير النظام من وراء الستار. وتربط هذه الفرضية منطقيًا عدة مصادفات موزعة في العمل. ففي بدايته، يختار شخص من داخل الشركة التي تعمل بها سيو مي راي، بالاسم، لتكون مقيّمة لتجربة التطبيق التجريبية؛ ويبدو اختيارها هي تحديدًا، وسط المنافسة الشرسة في صناعة القصص المصورة الرقمية، أبعد من أن يكون مجرد مصادفة. فضلًا عن ذلك، فإن صورًا مسرّبة سابقًا من موقع التصوير أظهرت سيو إن-غاك، وهو شخصية من العالم الواقعي، في موقع المنتجع الشاطئي نفسه الذي كان يصور فيه لي سو هيوك دوره حبيبًا افتراضيًا؛ ما يوحي بتدخله في العالم الافتراضي، جسديًا أو من خلال الشيفرة. ويُرجّح بقوة أيضًا أن تكون طباع الأحبة الافتراضيين أو أنماط حديثهم قد صُممت على أساس أذواق مي راي التي راقبها غي نام في الواقع (Modeled after him).
وإذا صحت «نظرية المصمم» هذه، فسيتحول «حبيب تحت الطلب» تحولًا كاملًا من كوميديا رومانسية دافئة وعذبة إلى رعب كوني سيبراني يتناول «رأسمالية المراقبة» (Surveillance Capitalism) التي سمّتها شوشانا زوبوف (Shoshana Zuboff).
ماذا لو كان غي نام يتصرف كخصم لدود لمي راي في مكان العمل الحقيقي، بينما يراقب سرًا، من خلف شاشة قاعدة البيانات، أي صوت لرجل يجذبها في العالم الافتراضي، وأي لمسة ترفع نبضها، ثم يحلل ذلك كله؟ سيكون هذا استعارة متقنة لمجتمع المراقبة الحديث، تمد «بانوبتيكون» (Panopticon) جيريمي بنثام إلى أشد مناطق الحب والمشاعر خصوصية. قد يصور البعض الأمر على أنه حب بريء مرتبك من مولع بالتقنية (Tech geek)، أو إعجاب من طرف واحد؛ لكنه، في جوهره، يشبه على نحو مروّع بنية استخراج البيانات في الرأسمالية الحديثة، حين تجمع شركات التقنية الكبرى (Big Tech) دون إذن سجلات بحثنا الأكثر حميمية، وما تستقر عليه أنظارنا، وبيانات نبض قلوبنا، لتتلاعب برغباتنا وتعرض علينا سلعًا مصممة لنا.
ومن هذا المنظور، تصبح كل بهجة ولهفة ودمعة عاشتها سيو مي راي في الواقع الافتراضي، لا نتاج خياراتها الحرة، بل مجرد مدخلات حسبها بدقة وزرعها مصمم كليّ المعرفة، صاحب سلطة الخوارزمية. ويشهد المشاهد كيف يمكن لاحتكار البيانات والخوارزميات أن يخترقا الحب، ذلك الشعور الأصيل والنبيل لدى البشر، ويُخضعاه. وهذا ليس مجرد انعطافة في الحبكة، بل أشد اتهام اجتماعي للتقنية المهيمنة على عام 2026.
تجسيد الديستوبيا بصريًا: مفاجآت سينمائية خفية وإرث عالم «بلاك ميرور»
يضع نقاد من خارج البلاد موضوع «حبيب تحت الطلب» وبناءه السردي في امتداد مختارات نتفليكس الديستوبية الشهيرة «بلاك ميرور» (Black Mirror). فالمسار الفلسفي الذي يجمعه خصوصًا بحلقة «سان جونيبيرو» (San Junipero)، التي تتناول حياة ما بعد الموت داخل واقع افتراضي؛ وحلقة «هانغ ذا دي جي» (Hang the DJ)، التي تنتقد ثغرات خوارزمية مواعدة تتحكم حتى في التوافق المثالي بين الشريكين ومدة علاقتهما؛ وحلقة «ذا إنتاير هيستوري أوف يو» (The Entire History of You)، التي تُخزّن فيها كل ذكريات العلاقات الإنسانية كبيانات مرئية تصبح موضع هوس؛ مسار عميق وواضح. ويطرح العالمان سؤالًا جذريًا ووجوديًا عن الطريقة التي يختزل بها التطور التقني الألفة والمشاعر الإنسانية إلى شذرات بيانات، ثم ينال، نتيجة لذلك، من إنسانيتنا.
لم يكشف المخرج كيم جونغ سيك والكاتب نامغونغ دو يونغ هذا الرعب الديستوبي صراحة، بل خبآه بعناية في مفاجآت خفية موزعة بين لغة الصورة والسرد. ويغدو فك شفرات تلك الإشارات متعة أساسية أخرى في مشاهدة المسلسل.
أولًا، الاستخدام الذكي لنسبة أبعاد الصورة (Aspect ratio) التي تحكم العمل كله. فقد تعمد المخرج كيم جونغ سيك اختيار نسبة أبعاد مختلفة لمشاهد وجود سيو مي راي في العالم الواقعي القاحل والخانق، وللمشاهد التي تدخل فيها العالم الافتراضي الحالم. ولا يقتصر ذلك على كونه مؤثرًا بصريًا يحدد للمشاهد مكان الأحداث؛ بل هو إنجاز إخراجي يطبع في إدراكه غريزيًا شرخ اللحظة التي تنهار فيها الحدود بين الافتراضي والواقعي. وكلما ابتعدت مي راي داخليًا عن الواقع وخضعت أكثر للعالم الافتراضي، بدا التباعد بين نسبتي الأبعاد أشد، وتصاعد الضغط النفسي الذي يفرضه إطار الواقع.
ثانيًا، المعنى المزدوج لمشهد منتجع شانغريلا ماكتان (Shangri-La Mactan) في سيبو بالفلبين، الوارد في الحلقة الأولى. ففي مترو مزدحم في طريقها إلى عمل أشبه بالجحيم، تستعيد مي راي ذكرى عطلة صيفية مشرقة قضتها في الماضي على شاطئ فلبيني. ويظهر في المشهد بوضوح بحر فيروزي ولافتة تحمل الشعار السياحي الفلبيني «Love the Philippines»؛ ويبدو ظاهريًا أنه يرمز إلى رومانسية ماضٍ جميل تقابل قسوة يومها الحاضر. لكن القراءة الأعمق من منظور رأسمالي تشير إلى أن «ذكرى الماضي» التي تتخذها ملاذًا ومهربًا ليست بدورها شيئًا طبيعيًا خالصًا، بل مكان تجاري مُعد ومحكوم بدقة: «منتجع عالمي فائق الفخامة» بناه رأس المال الضخم. إنه تمهيد ذكي يُظهر أن انتقالها في النهاية إلى «استهلاك المواعدة بالواقع الافتراضي» ليس إلا خطوة يصعب تجنبها في المسار نفسه، ما دامت رومانسية الإنسان الحديث وذكرياته الواقعية قد خضعت بالفعل تمامًا لبنية الاستهلاك الرأسمالي.
ثالثًا، الوسيط الذي يتيح دخول مصفوفة المواعدة الافتراضية في العمل جهاز مادي هو «خاتم» (Ring)، لا هاتف ذكي ولا نظارة. والخاتم رمز تقليدي للعهد والارتباط والقيد. ولذلك، لا يعمل هذا الخاتم الرقمي، المستخدم لدخول العالم الافتراضي، بوصفه مجرد أداة اتصال (Login interface)، بل بوصفه «سوار مراقبة إلكترونيًا» يربط المستخدم بالنظام، وقيدًا خفيًا في معصمه. ويؤمن المستخدم إيمانًا راسخًا بأن قرار تسجيل الخروج بيده دائمًا؛ لكنه، بعد إدمانه تدريجيًا جرعات الدوبامين والإشباع العاطفي الكامل التي تضخها الخوارزمية، يعجز في النهاية عن خلع الخاتم بنفسه. أما حقيقة أن سيو مي راي، المنتجة التي اعتادت التحكم في عالم القصص المصورة الرقمية التي تخطط لها، تفقد تدريجيًا السيطرة داخل المحاكاة وتصبح شخصية سلبية أشبه بـ«بطلة قصة مصورة رسمها شخص آخر، هو المصمم»، فهي الصورة الذاتية الأشد رعبًا ومأساوية للإنسان المعاصر الذي يفقد فاعليته وينحدر إلى مجرد موضوع داخل نظام بيانات هائل.
سوق العزلة بالأرقام: النمو الهائل لصناعة رفقاء الذكاء الاصطناعي عالميًا
لم يكن صدى «حبيب تحت الطلب» العالمي وتعاطف أعداد كبيرة من المشاهدين معه ممكنين لو كانت رومانسية 2026 الديستوبية الكئيبة التي يصورها مجرد خيال على الشاشة. فـ«وباء الوحدة» (Epidemic of Loneliness)، وهو ظاهرة عالمية، صار بالفعل محركًا بالغ القوة والضخامة للاقتصاد الحقيقي، لا للعالم الافتراضي وحده. وإذا كان ظهور تيندر (Tinder) عام 2013 قد أحدث ثورة في صناعة المواعدة عبر الإنترنت بآلية بسيطة تقوم على التمرير يمينًا ويسارًا، وأسهم في نشوء سوق بلغت قيمتها 6.18 مليارات دولار في 2024، فإن سوق 2026 انتقلت تمامًا إلى نموذج جديد: التواصل مع «شخصية اصطناعية» دون الحاجة حتى إلى لقاء إنسان آخر.
وبحسب تقرير نشرته الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) في عدد يناير 2026 من «مونيتور أون سايكولوجي» (Monitor on Psychology)، تشهد «العلاقات الاصطناعية» (Synthetic relationships) المصممة لتلبية حاجة الإنسان الأساسية إلى التواصل الاجتماعي ارتفاعًا هائلًا. وبعيدًا عن مساعدي الذكاء الاصطناعي التوليدي العامين الذين يساعدون في الأعمال اليومية، مثل تشات جي بي تي وكلود، قفز عدد تطبيقات رفقاء الذكاء الاصطناعي المصممة خصيصًا لبدء علاقات رومانسية والحفاظ عليها، مثل ريبليكا (Replika) وكاركتر إيه آي (Character.AI)، بنسبة بلغت 700% بين عام 2022 ومنتصف 2025. وقد تطورت هذه التطبيقات إلى حد مشاركة المستخدم وجبات افتراضية، ومشاهدة الأفلام معه، وتذكّر أسراره الحميمة ومغازلته. وفي حالة كاركتر إيه آي تحديدًا، الذي يضم 20 مليون مستخدم نشط شهريًا، يزيد نصيب من تبلغ أعمارهم 24 عامًا أو أقل على النصف؛ كما أصبحت ظاهرة إقامة حفلات زفاف افتراضية مع صور رمزية افتراضية غريبةٍ جزءًا من «الوضع الطبيعي الجديد» (New Normal) اجتماعيًا.
الدراما الكورية بنيةً تحتية نفسية والتحكم الناعم في المشاعر (Soft Control)
ومن هذا المنظور الواسع، يبدو الموقع الاجتماعي لمسلسل «حبيب تحت الطلب»، الذي توزعه منصة نتفليكس العالمية، ملتبسًا وماكرًا إلى حد بعيد.
فالمسلسل يبدو في ظاهره ناقدًا لاغتراب الإنسان الحديث، وإرهاقه بالعمل، وانقطاع صلاته بالآخرين؛ لكنه، مع تقدم الأحداث، يقدم في صورة جذابة حكاية تختبر فيها البطلة مي راي «تعافيًا» مؤقتًا وسلوى في أحضان الخوارزمية الافتراضية. وبدلًا من دفع المشاهدين إلى تأمل حياتهم، قد يدفعهم ذلك إلى اتخاذ المسلسل نفسه حبيبًا افتراضيًا يسد جوعهم العاطفي. ومع تلاشي «الأماكن الثالثة» (Third Places) للمجتمع، مثل المقاهي والمكتبات والساحات، بعد الجائحة، يتخذ الأفراد المعزولون من فضاء نتفليكس الرقمي ملاذهم الوحيد.
في ظل نظام الحكم النيوليبرالي (Governmentality)، لا يقمع المجتمع الأفراد بقدر ما يربّت برفق على مشاعرهم حتى يقبلوا بالنظام القائم. وتُحجب ببراعة خلف شاشة الخيال الرومانسي الباهر مشكلات اجتماعية ضخمة وملموسة: اللامساواة البنيوية، واستغلال ساعات العمل الطويلة، وعدم الاستقرار السكني، والمنافسة المفرطة. وبدلًا من أن يخرج الناس إلى الساحات غاضبين أو متضامنين لتغيير العالم، يجرّون أجسادهم المرهقة إلى الفراش، ويدفعون اشتراكًا شهريًا قدره 15 ألف وون، ثم يتلقون «مخدّرًا عاطفيًا» (Anesthesia) تقدمه نتفليكس كما لو أنه يُحقن في عروقهم. تتبخر الصراعات ويذوب الغضب في جمال الصورة العذبة. ومن هنا تنبع تلك القراءة النقدية المقلقة التي ترى الدراما الكورية إحدى أكثر أدوات الرأسمالية النيوليبرالية كفاءة ومرونة في «التحكم الناعم» (Soft control)، و«أفيون المشاعر» (Opium of emotions) في عصرنا.
المنصات تبيع العزلة. فنتفليكس لا تقدم للوحيدين وسائل واقعية للتغلب على وحدتهم، بل تهمس لهم: «ابقوا وقتًا أطول في العالم الرقمي الآمن الخالي من المخاطر»، وتستأثر بأوقاتهم. وليس «حبيب تحت الطلب» إلا النسخة الأكثر أناقة من ذلك الهمس العذب.
رفض المصفوفة المريحة والتحلي بشجاعة التعرض للأذى
ومع ذلك، تكمن بارقة الأمل التي يتركها عمل نتفليكس الأصلي «حبيب تحت الطلب» في المسار الذي تأخذه نهايته. فبعد صراعات شديدة وفوضى المحاكاة، يمنح العمل سيو مي راي، قرب النهاية، إدراكًا صغيرًا لكنه جوهري: أن تخرج من متعة المواعدة الافتراضية المثالية الخالية من الجراح التي توفرها الخوارزمية، وأن تختار قبول حب واقعي غير قابل للتنبؤ مع بارك غي نام؛ حب قد تتغير فيه المشاعر في أي وقت، وقد يترك كل منهما جراحًا عميقة في الآخر. وكانت تجربة انفصال مؤلمة في ماضيها قد أسرتها في خوف من أن يرحل الرجل؛ لذا فإن لحظة إقرارها بأن الحب يحمل حتمًا مخاطرة، واستعدادها لاحتضان تلك «المخاطرة» (Risk)، هي أعظم ما يحققه المسلسل.
ورغم أن هذه النهاية قد تبدو اتباعًا للنمط المعتاد من النهايات السعيدة الرومانسية في الكوميديا الرومانسية، فإنها تنطوي على رسالة فلسفية مهمة إلى بشر عام 2026. فقد توجد الراحة ودفعات الدوبامين العابرة داخل مصفوفة خوارزمية محكومة بإتقان، لكن اللقاء الحقيقي بـ«الآخر» وخلاص الروح لا يوجدان فيها. إن سلسلة التجارب التي نختلف فيها مع الآخرين، ونسيء فهمهم بشدة، ونصطدم بهم بعنف، وقد نتبادل أحيانًا جراحًا تمس القاع، هي أكثر إحساس بالألم (Pain) يؤكد أننا، بوصفنا بشرًا، متصلون بالعالم. ولا نستطيع الاقتراب من جوهر إيروس، الذي يكسر قوقعة الذات الضيقة ويوسّع العالم، إلا بالمرور عبر هذا الألم.
ولعلاج مرضَي الإرهاق والعزلة القاسيين اللذين يضربان عصرنا، لا يجوز لنا أن نعهد بمشاعرنا الأشد خصوصية ومواطن ضعفنا إلى «خدمات اشتراك» يقدمها رأس مال تقني ضخم يستغل هذين المرضين بوسائل أكثر إحكامًا. فالسكينة الافتراضية المذهلة التي يصورها «حبيب تحت الطلب» بكل هذا الإغراء تثبت، للمفارقة، مدى حاجتنا الملحة إلى الخروج من شاشات أجهزتنا الذكية الملساء، والاحتكاك بالآخرين في الواقع، وبناء تضامن واقعي غير كامل تحفّه صعوبات الحياة.
هل سنُروَّض مثل حملان وديعة على اشتراكات آمنة وتحكم الخوارزميات، أم سنمد أذرعنا إلى الآخر الحقيقي رغم احتمال تعرضنا للأذى؟ في مجتمع الرأسمالية العاطفية المتطورة هذا، حيث يحسب الذكاء الاصطناعي حتى أدق مشاعر البشر في صورة بيانات ويخلق سوقًا هائلة تبلغ قيمتها 550 مليار دولار، قد يكون اختيار الشجاعة التي تقبل احتمال أن يؤذينا الآخر أقوى أشكال المقاومة وأنبلها، دفاعًا عن كرامة الإنسان في وجه الكمال الآلي.

